فصل: قال ابن الجوزي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل يتمسك به المعتزلة تمسكًا شديدًا لقولهم إن رؤية الله عز وجل غير جائزة، وقائله من أهل السنة إنما يقوله مع اعتقاده جواز الرؤية ولكنه يقول إنه أليق بألفاظ الآية من أن تحمل الآية أن الجبل خلق له إدراك وحياة، وقال الزّجاج: من قال إن التقدير فلما تجلى أمر ربه فقد أخطأ ولا يعرف أهل اللغة ذلك، ورد أبو علي في الإغفال عليه، والدك الانسحاق والتفتت، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم وابن مسعود وأنس بن مالك والحسن وأبو جعفر وشيبة ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو ونافع وعاصم وابن عامر {دكًا}، وقرأ حمزة والكسائي وابن عباس والربيع بن خثيم وغيرهم {دكاء} على وزن حمراء، والدكاء الناقة التي لا سنام لها، فالمعنى جعله أرضًا دكاء تشبيهًا بالناقة، فروي أنه ذهب الجبل بجملته، وقيل ذهب أعلاه وبقي أكثره، وروي أن الجبل تفتت وانسحق حتى صار غبارًا تذروه الرياح، وقال سفيان: روي أنه ساخ في الأرض وأفضى إلى البحر الذي تحت الأرضين، قال ابن الكلبي فهو يهوي فيه إلى يوم القيامة، وروي أنه انكسر ست فرق فوقعت منه ثلاث بمكة ثبير وغار ثور وحراء، وثلاث بالمدينة أحد وورقان ورضوى، قاله النقاش، وقال أبو بكر الهذلي: ساخ في الأرض فلا يظهر إلى يوم القيامة، و{صعقًا} معناه مغشيًا عليه كحال من تصيبه الصعقة وهي الصيحة المفرطة، قال الخليل: وهي الوقع الشديد من صوت الرعد قاله ابن زيد وجماعة من المفسرين، وقال قتادة: كان موتًا، قال الزجّاج: وهو ضعيف، ولفظة {أفاق} تقتضي غير هذا، وقوله: {سبحانك} أي تنزيهًا لك كذا فسره النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: {تبت إليك} معناه من أن أسألك الرؤية في الدنيا وأنت لا تبيحها.
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل عندي أنه لفظ قاله عليه السلام لشدة هول ما اطلع ولم يعن به التوبة من شيء معين ولكنه لفظ يصلح لذلك المقام.
قال القاضي أبو محمد: والذي يتحرز منه أهل السنة أن تكون توبة من سؤال المحال كما زعمت المعتزلة، وقرأ نافع {وأنا} بإثبات الألف في الإدراج، قال الزهراوي والأولى حذفها في الإدراج وإثباتها لغة شاذة خارجة عن القياس، وقوله: {أول} إما أن يريد من قومه بني إسرائيل، وهو قول ابن عباس ومجاهد أو من أهل زمانه ان كان الكفر قد طبق الآفاق وإما أن يريد أول المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا، قاله أبو العالية. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {ولما جاء موسى لميقاتنا}.
قال الزجاج: أي: للوقت الذي وقَّتنا له.
{وكلَّمه ربُّه} أسمعه كلامه، ولم يكن فيما بينه وبين الله عز وجل فيما سمع أحد.
{قال رب أرني أنظر إليك} أي: أرني نفسك.
قوله تعالى: {قال لن تراني} تعلق بهذا نُفاة الرؤية وقالوا: {لن} لنفي الأبد، وذلك غلط، لأنها قد وردت وليس المراد بها الأبد في قوله: {ولن يتمنَّوه أبدًا بما قدمت أيديهم} [البقرة: 95] ثم أخبر عنهم بتمنِّيه في النار بقوله: {يا مالك ليقض علينا ربك} [الزخرف: 77] ولأن ابن عباس قال في تفسيرها: لن تراني في الدنيا.
وقال غيره: هذا جواب لقول موسى: {أرني} ولم يُرد: أرني في الآخرة، وإنما أراد في الدنيا، فأُجيب عما سأل.
وقال بعضهم: لن تراني بسؤالك.
وفي هذه الآية دلالة على جواز الرؤية، لأن موسى مع علمه بالله تعالى، سألها، ولو كانت مما يستحيل لما جاز لموسى أن يسألها، ولا يجوز أن يجهل موسى مثل ذلك، لأن معرفة الأنبياء بالله ليس فيها نقص، ولأن الله تعالى لم ينكر عليه المسألة وإنما منعه من الرؤية، ولو استحالت عليه لقال: لا أُرى، ألا ترى أن نوحا لما قال: {إن ابني من أهلي} [هود: 45] أنكر عليه بقوله: {إِنه ليس من أهلك} [هود: 46].
ومما يدل على جواز الرؤية أنه علَّقها باستقرار الجبل، وذلك جائز غير مستحيل، فدل على أنها جائزة، ألا ترى أن دخول الكفار الجنة لما استحال علَّقه بمستحيل فقال: {حتى يلج الجمل في سَمِّ الخياط} [الأعراف: 40].
قوله تعالى: {فإن استقر مكانه} أي: ثبت ولم يتضعضع.
قوله تعالى: {فلما تجلَّى ربُّه} قال الزجاج: ظهر، وبان.
{جعله دَكًّا} قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: {دكًا} منونة مقصورة هاهنا وفي [الكهف: 98].
وقرأ عاصم: {دكًّا} هاهنا منوَّنة مقصورة، وفي [الكهف: 98]: {دكاء} ممدودة غير منونة.
وقرأ حمزة، والكسائي: {دكاء} ممدودة غير منونة في الموضعين.
قال أبو عبيدة: {جعله دكًّا} أي: مندكًّا، والدَّك: المستوي؛ والمعنى: مستويًا مع وجه الأرض، يقال: ناقة دكَّاء، أي: ذاهبة السنام مستوٍ ظهرها.
قال ابن قتيبة: كأن سنامها دُكَّ، أي: التصق، قال: ويقال: إن أصل دككتُ: دققت، فأبدلت القاف كافًا لتقارب المخرجين.
وقال أنس بن مالك في قوله: {جعله دكًا}: ساخ الجبل.
قال ابن عباس: واسم الجبل: زبير، وهو أعظم جبل بمدين، وإن الجبال تطاولت ليتجلَّى لها، وتواضع زبير فتجلى له.
قوله تعالى: {وخرَّ موسى صعقًا} فيه قولان:
أحدهما: مغشيًا عليه، قاله ابن عباس، والحسن، وابن زيد.
والثاني: ميتًا، قاله قتادة، ومقاتل.
والأول أصح، لقوله: {فلما أفاق} وذلك لا يقال للميت.
وقيل: بقي في غشيته يومًا وليلة.
قوله تعالى: {سبحانك تبت إليك} فيما تاب منه ثلاثة أقوال:
أحدها: سؤاله الرؤية، قاله ابن عباس، ومجاهد.
والثاني: من الإقدام على المسألة قبل الإذن فيها.
والثالث: اعتقاد جواز رؤيته في الدنيا.
وفي قوله: {وأنا أول المؤمنين} قولان:
أحدهما: أنك لن تُرى في الدنيا، رواه أبو صالح عن ابن عباس.
والثاني: أول المؤمنين من بني إسرائيل، رواه عكرمة عن ابن عباس. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ موسى لِمِيقَاتِنَا} أي في الوقت الموعود.
{وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} أي أسمعه كلامه من غير واسطة.
{قَالَ رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ} سأل النظر إليه؛ واشتاق إلى رؤيته لما أسمعه كلامه.
ف {قَالَ لَن تَرَانِي} أي في الدنيا.
ولا يجوز الحَمْل على أنه أراد: أرني آية عظيمة لأنظر إلى قدرتك؛ لأنه قال: {إلَيْكَ} و{قَالَ لَنْ تَرَانِي}.
ولو سأل آية لأعطاه الله ما سأل، كما أعطاه سائر الآيات.
وقد كان لموسى عليه السلام فيها مَقْنَع عن طلب آية أخرى؛ فبطل هذا التأويل.
{ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} ضرب له مثالًا مما هو أقوى من بِنْيته وأثبت.
أي فإن ثبت الجبل وسكن فسوف تراني، وإن لم يسكن فإنك لا تطيق رؤيتي، كما أن الجبل لا يطيق رؤيتي.
وذكر القاضي عِياض عن القاضي أبي بكر بن الطّيب ما معناه: أن موسى عليه السلام رأى الله فلذلك خَرَّ صَعِقًا.
وأن الجبل رأى ربّه فصار دَكًا بإدراكٍ خلقه الله له.
واستنبط ذلك من قوله: {ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي}.
ثم قال: {فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسى صَعِقًا} وتجلى معناه ظهر؛ من قولك: جَلَوْت العروس أي أبرزتها.
وجَلَوْت السيف أبرزته من الصّدإ؛ جِلاءً فيهما.
وتجلى الشيء انكشف.
وقيل: تجلى أمره وقدرته؛ قاله قُطْرُب وغيره.
وقراءة أهل المدينة وأهل البصرة {دَكًا}؛ يدل على صحتها {دُكَّتِ الأرض دَكًّا} [الفجر: 21] وأن الجبل مذكّر.
وقرأ أهل الكوفة {دَكَّاءَ} أي جعله مثل أرض دكاء، وهي الناتئة لا تبلغ أن تكون جبلًا.
والمذكّر أدَكّ، وجمع دَكَّاء دكّاوات ودُكٌّ؛ مثل حَمْراوات وحُمْرٌ.
قال الكسائي: الدّكّ من الجبال: العِراض، واحدها أدَكّ.
غيره: والدّكّاوات جمع دَكّاء: رَوَابٍ من طين ليست بالغِلاظ.
والدَّكْداكُ كذلك من الرمل: ما التبد بالأرض فلم يرتفع.
وناقة دَكّاء لا سَنام لها.
وفي التفسير: فساخ الجبل في الأرض، فهو يذهب فيها حتى الآن.
وقال ابن عباس: جعله ترابًا.
عَطِيّة العَوْفي: رملًا هائلًا.
{وَخَرَّ موسى صَعِقًا} أي مغشيًّا عليه؛ عن ابن عباس والحسن وقتادة.
وقيل: ميتًا؛ يقال صَعِق الرجل فهو صَعِق.
وصُعق فهو مصعوق.
وقال قتادة والكلبيّ: خَرّ موسى صعِقًا يوم الخميس يوم عَرَفة، وأعطي التوراة يوم الجمعة يوم النحر.
{فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ} قال مجاهد: من مسألة الرؤية في الدنيا.
وقيل: سأل من غير استئذان؛ فلذلك تاب.
وقيل: قاله على جهة الإنابة إلى الله والخشوع له عند ظهور الآيات.
وأجمعت الأمة على أن هذه التوبة ما كانت عن معصية؛ فإن الأنبياء معصومون.
وأيضًا عند أهل السنة والجماعة الرؤيةُ جائزةٌ.
وعند المبتدعة سأل لأجل القوم ليبيّن لهم أنها غير جائزة.
وهذا لا يقتضي التوبة.
فقيل: أي تبت إليك من قتل القبطي؛ ذكره القُشَيْرِي.
وقد مضى في الأنعام بيان أن الرؤية جائزة.
قال عليّ بن مهدِيّ الطبريّ: لو كان سؤال موسى مستحيلًا ما أقدم عليه مع معرفته بالله؛ كما لم يجز أن يقول له يا رب ألك صاحبة وولد.
وسيأتي في القيامة مذهب المعتزلة والرد عليهم، إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: {وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين} قيل: مِن قومي.
وقيل: من بني إسرائيل في هذا العصر.
وقيل: بأنك لا ترى في الدنيا لوعدك السابق في ذلك.
وفي الحديث الصحيح من حديث أبي هريرة وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تُخَيِّروا بين الأنبياء فإن الناس يَصعَقون يوم القيامة فأرفع رأسي فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أصعق فيمن صعق فأفاق قبلي أو حُوسب بصفته الأولى» أو قال: «كفته صعقته الأولى» وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن كعب قال: إن الله تبارك وتعالى قسم كلامه ورؤيته بين محمد وموسى صلى الله وسلم عليهما؛ فكلمه موسى مرتين، ورآه محمد صلى الله عليه وسلم مرتين. اهـ.

.قال السمعاني:

{ولما جاء موسى لميقاتنا} يعني الوقت الذي وقت له على ما بينا كلمه ربه وفي القصة أن الله تعالى لما استحضره بجانب الطور وأنزل ظلمة على سبعة فراسخ وطرد عنه الشيطان ونحى عنه الملكين وكلمه حتى أسمعه وأفهمه وفي القصة كان جبريل معه فلم يسمع ما كلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال الزجاج فيه حذف وتقديره أرني نفسك أنظر إليك فإن قال قائل كيف سأل الرؤية وقد علم أن الله عز وجل لا يرى في الدنيا قال الحسن هاج به الشوق فسأل الرؤية وقيل سأل الرؤية ظنا منه أنه يجوز أن يرى في الدنيا.